السيد كمال الحيدري

174

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

وجوهر حرية الاختيار وإطلاق الإرادة وسراح المشيّة . وتلك هي الكلمة التي سبقت من ربّك ، ولولاها لما تأسّست المدن ولا تمدّن الإنسان ولا اعتمر النظام ولا انتظم العمران » « 1 » . بعد أن قارب القضاء والقدر بنظام السببية والنواميس والسنن التي تنتظم الوجود وعالم الخليقة ، وأنّ ذلك كلّه مسجّل في اللوح المحفوظ ، وبعد أن أشار إلى أنّ الإنسان مزوّد بالعقل كي يكتشف هذه السنن ويعيها ، وبحريّة الاختيار التي بها يتبع من السنن ما يفضى به إلى السعادة ويجتنب به الشقاء ، عاد ليحذّر بجملة علمية مكثّفة ونافذة إلى أنّ انبساط القدر والقضاء في كلّ شئ بما في ذلك الإنسان ، وإيمان الإنسان بالقدر والقضاء وأنّ كلّ شئ مسجّل في كتاب لا يضلّ ربّى ولا ينسى ، لا يعنى إبطال الإرادة وأن ينقلب الاختيار إلى ضدّه وتتحوّل المشيّة عن حقيقتها ، لماذا ؟ يجيب نصّاً : « فإنّه كتب في سجلّ التكوين لا التشريع أن سيفعل كذا وأنّه يختار كذا ، لا كُتب عليه أن يفعل كذا وأن يختار كذا . . . والفرق بين العبارتين كالفرق بين الحقيقتين في غاية الجلاء والوضوح . وقد أصبح اليوم من الجليّات أنّ العلم لا أثر له في المعلوم وأنّ المعلوم يوجد بأسبابه وسلسلة علله لا بعلم العالم أو جهل الجاهل » « 2 » . ما دام القدر والقضاء تعبيراً عن نظام السببيّة ، وما دام السعي والنشاط والجدّ والجهد والعزيمة والثبات والمداومة على الطلب « قد جعلها الله جلّ شأنه أسباباً للنجاح وقرن بها حصول الغايات المطلوبة في سائر الأعمال ، وصيّرها مجارى لرزقه وتوفيقه ومفاتيح رحمته ، فإنّ العناية جلّت حكمتها قضت وأبت إلّا أن تكون الأمور منوطة بالأسباب المتكانفة والوسائط المترامية ، وأن لا

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 160 . ( 2 ) الدين والإسلام ، مصدر سابق ، ص 162 .